فصل: مسألة يبيع عبده ويستثني المشتري نصف ماله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يبيع الزرع وقد أفرك أو الفول وقد امتلأ حبه:

وسئل: عن رجل يبيع الزرع وقد أفرك، أو الفول وقد امتلأ حبه- وهو أخضر، والحمص والعدس أو ما أشبه ذلك، فيتركه مشتريه حتى ييبس ويحصد، أيجوز بيعه؟ فقال: إن علم به قبل أن ييبس فسخ البيع، وإن لم يعلم به إلا بعد أن ييبس، مضى البيع ولم يفسخ؛ وليس هو مثل من يشتري الثمرة قبل أن تزهى؛ لأن النهي جاء في بيع الثمار قبل أن تزهى من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واختلف العلماء في وقت بيع الزرع: فقال بعضهم: إذا أفرك، وقال بعضهم: حتى ييبس، فأنا أجيز البيع إذا فات باليبس لما جاء فيه من الاختلاف، وأرده إذا علم به قبل أن ييبس.
قال محمد بن رشد: لا يجوز عند مالك وجميع أصحابه بيع شيء من ذلك حتى ييبس ويستغني عن الماء، لما جاء من أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، قال: «لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض في أكمامه»، إلا أنه إن بيع عندهم بعد أن أفرك وقبل أن ييبس، لا يحكمون له بحكم البيع الفاسد، مراعاة لقول من يجيز ذلك من أهل العلم، منهم ابن شهاب؛ فمنهم من يرى العقد فيه فوتا، وإنما يكرهه ابتداء، فإذا وقع، مضى ولم يفسخ؛ ومنهم من يفسخه ما لم ييبس، ومنهم من يفسخه ما لم يقبض؛ ومنهم من يفسخه وإن قبض ما لم يفيت بعد القبض، وهو ظاهر ما في السلم الأول من المدونة؛ ولو بيع قبل أن يفرك، يفسخ البيع فيه على كل حال وإن قبض وفات، فإذا لم يختلف في أن بيعه لا يجوز قبل أن يفرك والشافعي لا يجيز بيعه وإن يبس حتى يحصد ويصفى، ويرى ذلك من الغرر، وقد مضت هذه المسألة متكررة في هذا السماع من كتاب زكاة الحبوب والثمار.
وقوله في الفول والحمص إنه لا يجوز شراؤه أخضر على أن يتركه البائع حتى ييبس، هو مثل ما في المدونة، وقد أجازوا شراء العنب والتمر إذا طاب على أن يتركه مشتريه حتى ييبس، وحكى الفضل أن ذلك اختلاف في القول يدخل في المسألتين، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري الثوبين من الرجلين ثوب أحدهما بعشرة والآخر بخمسة:

قال: وسئل: عن الرجل يشتري الثوبين من الرجلين ثوب أحدهما بعشرة، والآخر بخمسة، على أنه فيهما بالخيار، فردهما وقد خلطهما فتداعيا في الأجود؛ فقال: إن نص لكل رجل ثوبه، حلف وبرئ إليه منه؛ وإن قال لا أدري أيهما لهذا ولا أيهما لهذا؛ غير أن هذا لأحدهما، إنما أخذت ثوبه بعشرة، وثوب هذا الآخر بخمسة نصهما نصا، ولست أدري أي الثوبين ثوب هذا من هذا؛ فإنه يقال له قد ضمنتهما جميعا بخمسة عشر دينارا، فإن شئت فادفعه إلا أحدهما أيهما شئت: الثوب الرفيع، وأعط الآخر ثمن الثوب الذي أقررت لله به؛ فإن أعطى الثوب الرفيع الذي كان يزعم أنه أخذ منه ثوبه بعشرة، دفع إلى الآخر خمسة دنانير وبرئ؛ وإن أعطى الثوب الرفيع الذي أخذ ثوبه بخمسة احتياطا على نفسه، وخوفا من أن يكون ثوبه غرم لصاحب الثوب الآخر العشرة التي أقر أنه أخذ منه ثوبه بها؛ قال: وإن قال لا أدري أيهما ثوب هذا ولا ثوب هذا؛ ولا أدري أيضا من أيهما أخذت الثوب بعشرة؛ ولا من أيهما أخذت الآخر بخمسة؛ قيل له: اغرم لكل واحد منهما، وشأنك بثوبك؛ لأنك قد أقررت أنك قد أخذت من أحدهما ثوبا بعشرة، فلما ادعياه جميعا ولم ينص لواحد منهما ثوبه فتبرأ بذلك من ضمانه بالثمن، ولا أنت نصصت لكل واحد منهما في دعواهما، حتى تجعل صاحب الخمسة أحدهما، فتبرأ مما ادعى عليك من الفضل مع يمينك؛ فكلا دعواهما في عشرة عشرة، وأنت غير مكذب لهما، إذ لا تنص أيهما ادعى أكثر من حقه فتحلف وتبرأ.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم بعينه من كتاب بيع الخيار، ومضى من القول عليها هناك ما فيه كفاية، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يسوم الرجل بسلعة ليست له:

ومن كتاب المكاتب:
قال: وسألته عن الرجل يسوم الرجل بسلعة ليست له، فيقول اشتر مني هذا العبد عبد فلان بستين دينارا، فإني قد أعطيته عطاء، وأنا أرجو أن يمضيه لي؛ فيقول نعم قد أخذته بستين دينارا، فيرجع البائع إلى سيد العبد فيشتريه منه بخمسين نقدا ويمضيه للآخر بستين دينارا نقدا على السوم الأول، فقال: أكره هذا ولا أحبه، وإن وقع أمضيته إن كانت البيعتان جميعا بالنقد وانتقدا.
قال محمد بن رشد: كره هذا البيع ابتداء، لما فيه من معنى بيع ما ليس عندك، وربح ما لم يضمن، إذ باع ما لم يتم له شراؤه بعد وأجاز ذلك إذا وقع، لما كان ذلك بعد أن قرب الأمر بينه وبين صاحب السلعة بالمراوضة التي كانت بينهما فيها؛ ولأن معنى قوله قد أخذته بستين، أي: قد أخذته بها إن أمضاه لك صاحبه، وتم شراؤك فيه؛ ولو اشتراه منه بستين شراء ناجزا على أن تحصله له من صاحبه مما قدر عليه، لم يجز، ولكان بيعا فاسدا.
وقد وقع في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال، تخفيف ذلك ابتداء، وفي رسم تسلف منه اختلاف قول مالك فيه؛ وهذا كله إذا كانت البيعتان جميعا بالنقد، وأما إذا كانت إحداهما إلى أجل، فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز؛ ويختلف في وجه الحكم في ذلك إذا وقع على حسبما ذكرناه في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من الكتاب المذكور، فإنا استوعبنا هناك القول على جميع وجوه المسألة وأقسامها بما لا مزيد عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري العبد في مرضه على أن يوصي له بالعتاقة فيفعل ثم يموت:

وسألته: عن الرجل يشتري العبد في مرضه على أن يوصي له بالعتاقة فيفعل ثم يموت، فلا يسع الثلث عتاقة العبد؛ فقال: كان البيع غير جائز، فإذا فات بالعتاقة بعضه بالوصية التي اشترطت عليه، فالعبد يرد إلى قيمة مثله يوم تبايعا، ثم يصح بعد وتمضي الوصية للعبد، يسع الثلث من رقبته ما وسع، ويضيق عما ضاق؛ ولا يكون للبائع أن يرتجع ما رق منه بالذي يصيبه من الثمن.
قال محمد بن رشد: اشتراء الرجل العبد على أن يوصي بالعتاقة غرر لا يجوز؛ لأن البائع حط من الثمن لعتق لا يدري هل يكون أم لا يكون؛ كمن باع عبده على أن يدبره المشتري أو يكاتبه أو يعتقه إلى أجل؛ وقد اختلف في هذه البيوع، فقيل: إن البائع إن رضي بترك الشرط جاز البيع، وإن أبى فسخ البيع؛ إلا أن يفوت، فيكون فيه الأكثر من القيمة أو الثمن؛ وقيل: يرجع البائع على المبتاع بقدر ما نقص من الثمن بسبب الشرط، وقيل: إن البيع يفسخ على كل حال، وإن رضي البائع بترك الشرط ما لم يفت البيع؛ فإن فات، كانت فيه القيمة بالغة ما بلغت؛ وهو ظاهر قوله في هذه الرواية؛ لأنه قال فيها إن القيمة تكون فيه يوم تبايعا إذا فات بعتاقة بعضه بالوصية، ولم يقل الأكثر من القيمة، أو الثمن؛ ويريد بقوله يوم تبايعا إذا كان البيع والقبض في يوم واحد، ويفوت بما يفوت به البيع الفاسد، ولا يفوت بالوصية ما لم يبت البائع الموصى، فيجب عتقه بالوصية، أو عتق بعضه، إذ له الرجوع عن الوصية، بخلاف التدبير والكتابة والعتق إلى أجل، ولو مات المبتاع الموصى ولا مال له وعليه دين يفترقه، لفسخ فيه البيع ولم يبع في الدين، وقد مضى تحصيل القول في هذا النوع من البيوع في رسم القبلة من سماع ابن القاسم.

.مسألة يشتري الغنم وفيها شاة بها علة:

وسئل: عن الرجل يشتري الغنم وفيها شاة بها علة، ويقول المشتري أنا بالخيار في هذه العليلة عشرة أيام، فإن صحت فهي لي، وإن لم تصح رددتها بما ينوبها من الثمن؛ فقال: هذا بيع غير جائز. قلت له: ولم؟ قال: لأنه لو اشترى شاة واحدة عليلة على أنها له إن صحت إلى عشرة أيام، وإن لم تصح ردها، لكان بيعا مفسوخا غير جائز؛ قيل له: فإنها غير عليلة إلا أنه استثنى الخيار في شاة منها أياما، فقال: هذا أيضا غير جائز؛ قلت له: ولم كرهت ذلك؛ قال له: لأنه إن حبسها تم البيع بجميع الثمن الذي اشتريت به الغنم كلها، وإن ردها بالقيمة والقيمة لا تعرف إلا حين تقوم الغنم والشاة؛ فإنه لا يدري إن رد الشاة بكم تبقى عليه الغنم الباقية، فهي أحيانا بجميع الثمن، وأحيانا بثمن لا يدري كم هو؟
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب بيع الخيار، ومضت أيضا في رسم الكبش قبل هذا من هذا الكتاب، ومضى من القول عليها في الموضعين ما فيه بيان، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يبيع السفينة ويشترط على المشتري أن لا يبيعها ولا يهبها حتى يقضيه الثمن:

ومن كتاب الصلاة:
وسئل ابن القاسم: عن الرجل يبيع السفينة ويشترط على المشتري أن لا يبيعها ولا يهبها حتى يقضيه الثمن، فقال: إن لم تفت فسخ البيع، وإن فاتت أو هلكت، فهي من المشتري والبيع ماض عليهما لفوتها.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة من بيوع الثنيا التي المشهور فيها أن البيع يفسخ ما لم يفت، إلا أن يرضى البائع بترك الشرط؛ فإن فاتت كان فيها الأكثر من القيمة أو الثمن. وقوله في هذه الرواية إنه بيع فاسد يفسخ على كل حال في القيام، ويصحح في الفوات بالقيمة يوم القبض، وهو معنى قوله والبيع ماض عليهما بفوتها؛ ورواية يحيى عن ابن القاسم في هذه المسألة، وفي المسألة التي في الرسم الذي قبل هذا؛ كروايته عنه في سماعه من كتاب السلم والآجال، وفي العشرة في البيع والسلف أنه بيع فاسد يفسخ على كل حال في القيام، ويكون فيه القيمة بالغة ما بلغت في الفوات، وبالله التوفيق.

.مسألة الدار تباع وفيها نقض لرجل هو فيها بكراء:

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال: وسئل ابن القاسم: عن الدار تباع وفيها نقض لرجل هو فيها بكراء، وأبواب في بيوت الدار، والمكتري حاضر، حضر البيع؛ ثم قال بعد ذلك: نقضي وخشبي وأراد أخذه، فقال له المشتري: قد حضرت شرائي فلم تدع شيئا وقد اشتريت ووجب لي كل شيء في الدار، قال: أرى الأبواب والنقض للمكتري، ولا أرى ذلك يقطع حجته، من قبل أنه يقول ما لي لم أظن أن ذلك يكون لك ولا يجب لك.
قال محمد بن رشد: قوله أرى الأبواب والنقض للمكتري، معناه: إذا كانت له بينة، على أن ذلك له جاء به من عنده، أو على إقرار له من صاحب الدار بذلك قبل البيع؛ إذ لا يقبل إقراره له بذلك بعد البيع، وإنما عذر المكتري في سكوته عند حضور البيع على أن يذكر أن الأنقاض والأبواب له؛ لأن من حجته أن يقول إنما سكت؛ لأني ظننت أن من اشترى دارا لا يكون له شيء من نقصها المبني فيها، إلا أن يشترطه؛ ولو قال له البائع أبيع منك الدار بأنقاضها وأبوابها والمكتري حاضر يسمع فلم ينكر، لكان سكوته تجويزا منه للبيع، ولوجب أن يكون له من الثمن ما ناب النقض والأبواب منه إن كان صاحب الدار مقرا له بالنقض والأبواب.
وأما إن لم يكن له مقرا بذلك ولا مكذبا لبينته التي شهدت له بالأنقاض والأبواب، وإنما ادعى أنه اشترى ذلك بماله، أو بما كان له عليه من كراء الدار، وأنها قد تصيرت إليه بعد ذلك ببيع وما أشبه ذلك، لكان سكوته على البيع موجبا لتصديق البائع صاحب الدار فيما ادعى من الأنقاض، ولم يكن للمكتري شيء منها ولا من ثمنها؛ هذا الذي يأتي في هذا على أصولهم، وقد قيل: إن حقه لا يبطل في الأنقاض إذا كانت له بينة أنه جاء بها من عنده، ويكون له أن يأخذ ما يجب لها من الثمن بعد يمينه على تكذيب دعوى صاحب الدار، إلا أن يطول سكوته بعد البيع، ولو ادعى النقض المبني في الدار والأبواب المركبة فيها ولم تكن له بينة عليها، لم يكن له شيء منها؛ ولو كان النقض مطروحا في الدار، والأبواب غير مركبة فيها، ولا مقلوعة منها؛ لما دخلت في البيع، ولكانت للمكتري، بيعت الدار، أو لم تبع مع يمينه إن ادعاها صاحب الدار.
وقد قال ابن دحون: إنما لم يضره سكوته عند البيع إذا كانت له بينة بالأنقاض، من أجل أنه في الدار؛ ولو كان خارجا عن الدار وله بينة بالأنقاض فسكت عند البيع، لم يكن له منها شيء؛ وهذا لا وجه له، إذا لا فرق في سكوته بين أن يكون في الدار، أو خارجا عنها؛ وإنما يفترق الأمر في سكوته بين أن يقول أبيع منك الدار ولا يزيد على ذلك، ويقول أبيعها منك بنقضها على ما ذكرناه.

.مسألة بيع العود والبوق والكبر:

وسئل ابن القاسم: عن بيع العود والبوق والكبر، فقال: أرى أن يفسخ البيع فيه، وأرى أن يؤدب أهله.
قال محمد بن رشد: أما العود والبوق فلا اختلاف في أنه لا يجوز استعمالهما في عرس ولا غيره، فيفسخ البيع فيهما باتفاق، ولا يقطع من سرقهما إلا في قيمتهما مكسورين؛ وأما الكبر، فقوله إن البيع يفسخ فيه، يدل على أنه لا يجوز استعماله في العرس، وذلك خلاف لما في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح، ولما في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب السرقة، من أن من سرقه يقطع في قيمته قائما، ولم يختلف في إجازة الدف وهو الغربال في العرس؛ واختلف في المزهر والكبر، فقيل: إنهما يجوزان فيه، وهو قول ابن حبيب، وقيل: إنهما لا يجوزان فيه، وهو قول أصبغ في نوازله من كتاب النكاح، وهو الذي يقوم من هذه الرواية؛ وقيل: إنه يجوز الكبر ولا يجوز المزهر، وهو دليل ما في سماع عيسى من كتاب النكاح، ومن كتاب السرقة؛ وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة، في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح.

.مسألة باع سلعة من رجل ثم استقال البائع المبتاع:

وسئل ابن القاسم: عن رجل باع سلعة من رجل ثم استقال البائع المبتاع، فقال له المبتاع: إني أخاف أن تكون يريد بيعها وأربحت فيها؛ فقال له البائع: لا، إنما أردتها لنفسي، فيقيله ثم يبيع تلك السلعة؛ فقال: إذا علم أنه استقال منها ليبيعها، فأرى بيعه غير جائز، وأراه ينقض، وإن كان على غير ذلك، ثم بدا له في بيعها، وطال زمانها ثم باعها، فأرى بيعه جائزا.
قال ابن القاسم: ومثل ذلك أن مالكا سئل: عن رجل سأل امرأته أن تضع عنه صداقها، فقالت له: أخاف إن أنا وضعته أن تطلقني؛ فقال: ما أفعل، فتضع له صداقها ثم يطلقها؛ فقال مالك: أرى أن ترجع عليه بما وضعت عنه، إلا أن تكون وضعت ذلك عنه وطال الزمان، وتبين صحة ذلك، ثم طلق، فلا أرى لها شيئا؛ فأما إذا خيف أن يكون إنما خدعها بذلك، فأراها ترجع به.
وأخبرنا محمد بن خالد، قال: أخبرني ابن القاسم عن مالك في الرجل يسأل امرأته أن تضع عنه مهرها، فتقول له: إني أخاف إن أنا فعلت ذلك أن تطلقني. قال: لست أفعل، فتضع عنه مهرها فيطلقها؛ قال: الطلاق له لازم، ويرجع عليه بمهرها إن طلقها بحدثان ذلك؛ فإن طلقها بعد ذلك بحين حتى برئ من التهمة، مضى الطلاق ولم يرد شيئا.
قال محمد بن رشد: قوله إن البيع ينقض إذا علم أنه إنما استقاله فيها ليبيعها صحيح؛ لأنه إنما أقاله على ألا يبيعها، فإن باعها نقض البيع فيها وردت إليه سلعته؛ ويستدل على أنه إنما استقال منها ليبيعها ببيعه إياها بقرب ذلك، هذا ظاهر من مقتضى قوله في المسألة: وإذا نقض البيع فيها انتقضت الإقالة وردت إلى المقيل، ولو أقاله على أنه إن باعها كان أحق بها بالثمن الذي يبيعها به، فباعها بقرب ذلك، لرد البيع فيها، وأخذها المقيل بذلك الثمن، وقد مضى القول على هذا مستوفى في أول سماع أشهب.
وتنظير ابن القاسم لهذه المسألة بمسألة مالك في وضع الصداق صحيح؛ لأن قول المرأة لزوجها أخشى إن وضعت عنك الصداق أن تطلقني، فيقول لا أفعل؛ مثل قول المبتاع البائع أخشى إن أقلتك أن تبيعها، فيقول لا أفعل؛ ولو لم يجز بينهما هذا الكلام، وإنما سأل الرجل زوجته أن تضع عنه الصداق، فوضعته ثم طلقها بالقرب، لرجعت عليه بصداقها، إذ قد علم أنه إنما وضعته عنه رجاء استدامة صحبته؛ ولو سأل البائع المبتاع أن يقيله فأقاله، ثم باعها بالقرب، لم يكن للمبتاع في ذلك قول؛ فهاهنا تفترق المسألتان، ولا فرق في وضع المرأة صداقها عن زوجها، إذا سألها ذلك بين أن تضع عنه وتسكت، أو تقول له: أخشى إن وضعته عنك أن تطلقني، فيقول: لا أفعل؛ أو تقول: إنما وضعته عنك على أنك إن طلقتني رجعت عليك بصداقي، في أنه يكون لها أن ترجع به عليه إن طلقها بقرب ذلك؛ إلا أن تقول له إنما أضعه عنك على ألا تطلقني أبدا، أو على أنك متى ما طلقتني رجعت عليك بصداقي، فيكون لها أن ترجع عليه بصداقها متى ما طلقها، كان ذلك بالقرب أو بعد طول من الزمان، ومثل مسألة مالك في المعنى ما في سماع أصبغ من كتاب طلاق السنة في التي تقول لزوجها: إن لم تتزوج علي فصداقي عليك صدقة فيقبل ذلك منها، ثم يطلقها بالقرب، أنها ترجع عليه بصداقها؛ بخلاف الذي يقول لزوجته: أنت طالق إن لم تضعي لي صداقي، فتضعه عنه ثم يطلقها، وقد مضى هناك الفرق بين المسألتين، فلا معنى لإعادته.

.مسألة يبيع عبده ويستثني المشتري نصف ماله:

سحنون: قلت لأشهب: أرأيت الرجل يبيع عبده ويستثني المشتري نصف ماله، أو يبيعه نخلة وقد أبرت ويستثني نصف الثمار؛ قال: ذلك جائز، قال سحنون: وخالفه ابن القاسم، فقال: لا يجوز.
قال محمد بن رشد: مثل ابن القاسم هذا في المدونة من قوله وروايته عن مالك، أنه لا يجوز للمبتاع أن يشترط بعض مال العبد، ولا بعض ثمر النخل. وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع»، يروى: «إلا أن يشترطها المبتاع»، أو «إلا أن يشترط المبتاع»، بهاء وبغيرها؛ فثبوت الهاء دليل لقول ابن القاسم وروايته عن مالك؛ وسقوطها دليل لقول أشهب، وحجة أشهب من جهة النظر أنه إذا جاز اشتراط الكل جاز اشتراط البعض.
وحجة ابن القاسم من جهة النظر أن اشتراط الكل إنما جاز من أجل أنه كان ملغى لا قدر له عند البائع، فتركه للمبتاع ولم يشاحه فيه؛ وإذا اشترط البعض، دل على رغبة البائع فيه إذ لم يترك له جميعه؛ وأنه إنما ترك له منه ما ترك، لاشتراطه إذا زاده في الثمن من أجل الشرط؛ واختلف قول ابن القاسم إن وقع ذلك، فقال مرة: يفسخ البيع إلا أن يشاء البائع أن يترك له الجميع، وقال مرة: يفسخ وليس لأحدهما أن يمضيه؛ لأنه وقع على ما لا يحل، وإلى هذا رجع؛ وقع اختلاف قوله هذا في التفسير ليحيى، وهذا الاختلاف على الاختلاف الذي مضى في رسم استأذن من سماع عيسى في العبد يكون بين الرجلين فيبيع أحدهما نصيبه من غير شريكه ولا يستثني المبتاع ماله، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجلين يأخذان من الرجل ثوبين مروي وخز بمائة دينار:

وسئل أشهب: عن الرجلين يأخذان من الرجل ثوبين مروي وخز بمائة دينار، وقد تراوض المشتريان قبل ذلك أن يأخذ أحدهما الخز بما يقع عليه، والآخر المروي بما يقع عليه؟
قال: البيع جائز والمراوضة بينهما باطل، أو يكون لكل واحد منهما نصف كل ثوب؛ وذكر مسألة الأرض تكون بين حائطي رجلين والأرض لرجل، فيشتريانها على أن يقتسما الأرض فيأخذ كل واحد منهما نصيبه مما يليه والأرض مختلفة. قال ابن كنانة: لا يجوز؛ لأن مرة يكون لأحد الشريكين ثلث تلك الأرض، ومرة يكون له ثلثاها، ومرة يكون له ربعها، فلا يجوز.
قال محمد بن رشد: البيع في مسألة أشهب في الثوبين المروي والخز جائز باتفاق؛ لأن الفساد فيها إنما هو من جهة أحد المتبايعين، إذ لم يبع البائع منهما على ما تراوضا عليه؛ كما لو جمع رجلان سلعتين لهما في البيع ولم يعلم المشترى بذلك، وظن أنهما شريكان فيهما، لكان البيع جائزا باتفاق؛ وإذا تراوض الشريكان في الثوبين اللذين اشترياهما صفقة واحدة، على أن يأخذ كل واحد منهما ثوبا سماه منهما بما يقع عليه من الثمن، لم يجز إلا على مذهب من يجيز جمع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ لأن كل واحد منهما قد اشترى نصف صاحبه من الثوب الذي أراد الخروج إليه بنصف ما يقع عليه من الثمن، ولا يعرف ذلك إلا بعد التقويم؛ فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز للرجل أن يشتري من الرجل ثوبا من جملة ثياب قد اشتراها صفقة واحدة بما يقع عليه من الثمن إذا قومت، إلا على مذهب من يجيز جمع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ ومن مذهب أشهب إجازة ذلك كله، فإنما قال في المراوضة التي وقعت بينهما في الثوبين: إنها باطل، من أجل أنهما عقداها بينهما قبل الشراء، فدخله بيع ما ليس عندك.
وأما المسألة الثانية التي أجاب عليها ابن كنانة، فإنها جارية على الاختلاف في إجازة جمع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ لأنهما اشتريا الأرض التي بين حائطيهما على أن يأخذ كل واحد منهما نصف مساحتها الذي يليه بما يقع عليه من الثمن؛ وذلك لا يعلم إلا بعد التقويم، لاختلاف الأرض؛ ولو كانت الأرض مستوية لجاز؛ لأن النصف الذي يلي حائط كل واحد منهما يكون بنصف الثمن، ولا فرق بين أن يبيع الرجلان سلعتيهما بثمن واحد، على أن يكون لكل واحد منهما منه ما ينوب ثوبه؛ وبين أن يشتري الرجلان السلعتين بثمن واحد، على أن يأخذ كل واحد منهما السلعة التي سماها بما ينوبها منه، والله أعلم.

.مسألة يشتري عشرة أكبش من مائة يختارها:

وقال أشهب، في الرجل يشتري عشرة أكبش من مائة يختارها، فلم يختر حتى جاءه رجل فقال له خذ مني ربحا واجعلني أختار في مكانك، آخذ ما كان لك أن تختار؛ إن ذلك ليس له بجائز؛ لأن الأول لا يجوز له أن يبيع ما لم يجب له، ولأن الخيار يختلف، يختار ما لا يوافق الثاني، وليس للآخر أن يختار ما لم يجب الأول حتى يختار للأول ولا يجوز أيضا؛ وإن قال له اختر فأنا أشتري ما تختار أنت؛ لأنه غرر؛ وهو خلاف لو مات المشتري الأول قبل أن يختار، كان لورثته أن يختاروا لأنهم كأنهم هو.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم استأذن من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

.مسألة يشتري الزرع بعدما طاب ويبس بثمن فاسد فتصيبه عاهة فيتلف قبل أن يحصد:

قال ابن القاسم: في الرجل يشتري الزرع بعدما طاب ويبس بثمن فاسد، فتصيبه عاهة فيتلف قبل أن يحصد، إن مصيبته من المشتري وهو قابض؛ وهو خلاف الذي يشتري الزرع قبل أن يبدو صلاحه على أن يتركه فيصاب بعدما يبس، إن مصيبته من البائع؛ لأنه لم يكن قبض ما اشترى حتى يحصد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا اشترى الزرع بعد أن طاب ويبس بثمن فاسد، دخل بالعقد في ضمانه؛ إذ لا توفية فيه على البائع، من أجل أنه جزاف؛ ألا ترى أنه لو اشتراه شراء صحيحا، لكانت مصيبته منه بالعقد؛ لأن حصاده عليه ولا جائحة فيه، فهو كالصبرة من الطعام تشترى جزافا؛ وإذا اشترى الزرع قبل أن يبدو صلاحه على أن يتركه، لم يدخل في ضمانه حتى يقبضه؛ لأنه إنما اشتراه على أن يتركه، وقبضه إنما يكون بحصاده، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه، أعني في أن مصيبته من البائع، ما لم يقبضه المشتري بحصاده؛ ولو باعه على الجد بيعا صحيحا، أو تصدق به؛ أو وهبه؛ لجرى ذلك على الاختلاف في الذي يشتري العبد بيعا فاسدا فيعتقه، أو يبيعه، أو يهبه، أو يتصدق به قبل أن يقبضه؛ إذ قد قيل: إن ذلك كله فوت، وقيل: إنه ليس شيء من ذلك كله فوتا إلا العتق لحرمته؛ وقيل: إن ذلك فوت في العتق لحرمته؛ وفي البيع، إذ لا يحتاج إلى قبض؛ وليس بفوت في الهبة والصدقة، لافتقارهما إلى القبض، فيكون عليه قيمته على الرجاء والخوف يوم فوته بالبيع، أو الصدقة؛ كما لو استهلكه على القول بأن ذلك فوت، ويفسخ البيع على القول بأن ذلك ليس يفوت.

.مسألة يشتري الثوب من رجل فيحبسه البائع للثمن ثم يدعى أنه تلف:

وسألت ابن القاسم: عن الرجل يشتري الثوب من رجل فيحبسه البائع للثمن، ثم يدعى أنه تلف، ولا يعرف ذلك إلا بقوله؛ قال: أحب ما فيه إلي أن البيع مفسوخ، إلا أن يكون قيمة الثوب أكثر من الثمن فيغرمه؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه لأنه ندم؛ وإن كانت قيمته أقل، فسخ البيع، وليس احتباسه إياه برهن؛ ولو كان حيوانا، كان مصدقا في قوله قد تلف؛ ولو أن قائلا قال في الثوب إن عليه قيمته- كان أقل أو أكثر- لم أعب قوله؛ قال سحنون: ليست هذه الرواية بشيء، وردها إلى أن ضاع، فالبيع فيه مفسوخ، ولا قيمة فيه على البائع.
قال محمد بن رشد: المشهور من قول ابن القاسم، أن السلعة المبيعة المحبوسة بالثمن رهن به، يكون مصيبتها من المشتري- إن تلفت، وقامت بينة على تلفها، وإن لم تقم بينة على تلفها، لم يصدق البائع في ذلك، ولزمه غرم قيمتها؛ وجوابه في هذه المسألة على أن ضمان السلعة المحبوسة بالثمن من البائع، فإن تلفت وقامت بينة على تلفها، انفسخ البيع، وهو قول سليمان بن يسار في المدونة، وأحد قولي مالك فيها،؛ وقد قال سحنون، في نوازله من كتاب الاستبراء وأمهات الأولاد: إن ذلك هو قول جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم، فإنه يرى حكمها حكم الرهن؛ فجاء جواب ابن القاسم في هذه المسألة على قول سليمان بن يسار، وأحد قولي مالك؛ وما أجمع عليه أصحابه من أن ضمان السلعة المحبوسة بالثمن من البائع، خلاف المشهور من مذهبه، فقال: إن البيع يفسخ؛ يريد بعد يمينه لقد تلف، إلا أن يصدقه المبتاع فيما ادعى من تلفه؛ إلا أن تكون قيمتها أكثر من الثمن فيغرمها؛ لأنه يتهم أن يكون ندم في بيعه فغيبه وادعى تلفه، فلا يصدق في ذلك؛ ويقال له: لابد لك من أن تأتي بالثوب أو تغرم قيمته.
وقوله: ولو كان حيوانا كان مصدقا في قوله: قد تلف، يريد مع يمينه وينفسخ البيع على ما بنى جوابه عليه من أن ضمان السلعة المحبوسة بالثمن من البائع، وقوله: ولو أن قلنا قال: إن عليه في الثوب قيمته كانت أقل أو أكثر- لم أعب قوله، هو الذي يأتي على المشهور المعلوم من مذهبه أن السلعة المحبوسة بالثمن رهن به؛ فإن ادعى تلفه لم يصدق في ذلك؛ لأنه مما يغيب عليه، ولزمته قيمته بالغة ما بلغت.
وعاب سحنون هذا القول؛ لأنه ذهب إلى أن ضمان السلعة المحبوسة بالثمن من البائع، وأن البيع ينفسخ بتلفها على قول سليمان بن يسار، وأحد قولي مالك؛ وما يحكى أن أصحاب مالك اتفقوا عليه، فقال: ليست هذه الرواية بشيء، وردها إلى أن ضاع فالبيع فيه مفسوخ، ولا قيمة فيه على البائع، يريد: أنه يصدق في تلفها مع يمينه، فينفسخ البيع فيها؛ فالذي يتحصل في تلف السلعة المحبوسة بالثمن: إن قامت بينة على تلفها قولان: أحدهما: أن مصيبتها من البائع، ويفسخ البيع. والثاني: أن مصيبتها من المشتري ويلزمه الثمن؛ وإن لم تقم بينة على تلفها، فأربعة أقوال: أحدها: أن البائع يصدق مع يمينه على ما ادعاه من تلفها- كانت قيمتها مثل الثمن، أو أقل أو أكثر، ويفسخ البيع، وهو قول سحنون.
والثاني: يصدق مع يمينه على ما ادعاه من تلفها، ويفسخ البيع، إلا أن تكون قيمتها أكثر من الثمن، فلا يصدق في ذلك، إلا أن يصدقه المبتاع ويكون بالخيار بين أن يصدقه فيفسخ البيع أو يضمنه القيمة ويثبت البيع، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية؛ وهذان القولان على قياس القول بأن المصيبة من البائع، وينفسخ البيع إذا قامت البينة على التلف.
والقول الثالث: أن البائع يصدق مع يمينه: لقد تلفت ويلزمه قيمتها كانت أقل من الثمن، أو أكثر، ويثبت البيع، وهو الذي يأتي على المشهور من قول ابن القاسم في أن السلعة المحبوسة بالثمن، حكمها حكم الرهن؛ وهو الذي أشار إليه ابن القاسم في هذه الرواية بقوله: ولو أن قائلا قال... إلى آخر قوله.
والقول الرابع: أن البائع مصدق مع يمينه: لقد تلفت ويلزمه قيمتها، إلا أن تكون قيمتها أقل من الثمن، فلا يصدق في ذلك؛ لأنه يتهم في أن يدفع القيمة ويأخذ الثمن وهو أكثر، إلا أن يصدقه المبتاع فيكون المبتاع على هذا بالخيار بين أن يصدقه فيأخذ منه القيمة ويدفع إليه الثمن- إن كان أكثر، وبين أن لا يصدقه فينقض البيع.
وعلى هذا القول يأتي قول ابن القاسم في المدونة في بعض الروايات في الذي أسلم ثوبا في طعام فادعى بتلفه- ولم يعلم ذلك إلا بقوله: إن المسلم إليه بالخيار بين أن يضمنه قيمة الثوب ويثبت السلم عليه، وبين أن يدع قيمته ويبطل السلم.
وقوله فيها: إن السلم ينتقض إذا لم يعرف تلف الثوب إلا بقوله، معناه عندي: إن شاء المسلم إليه؛ فليس ذلك باختلاف من قوله، وقد حمله أبو إسحاق التونسي على أنه اختلاف من القول، وهو بعيد؛ وهذان القولان: الثالث والرابع على قياس القول بأن مصيبة السلعة المحبوسة بالثمن من المبتاع إذا قامت البينة على تلفها على حكم الرهن، وبالله التوفيق.